محمد أبو زهرة

1391

زهرة التفاسير

ينصره ، وهو القوى العزيز ، وأن هذا يوجب أن يعمل الهادي والمرشد على أن يصون نفوس المؤمنين من أن يدخل إليها شياطين الإنس من المنافقين والمخادعين . الثاني : أن ذلك فيه معنى التوبيخ لأولئك الذين تأثرت نفوسهم بأولئك المنافقين لأنه ما كان ينبغي لهم أن يستمعوا إلى دعاية المنافقين ، أو أن يفتحوا لها بابا تدخل منه إلى قلوبهم ، ولكن هكذا البشر تتسرب إلى نفوسهم وسوسة الشيطان من حيث لا يشعرون . وإن الطائفتين اللتين همتا بالفشل هما بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج ، وكانا جناحي العسكر يوم أحد ، وقد ذكر البخاري عن جابر قال : فينا نزلت : إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما . نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة ، وما نحب أنها لم تنزل لقول اللّه عزّ وجل : وَاللَّهُ وَلِيُّهُما . وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وإذا كان اللّه سبحانه وتعالى ولىّ المؤمنين حتى من يهم أن يضعف متأثرا بحركات المنافقين ، فإنه سبحانه وتعالى هو الذي يتوكل عليه المؤمنون ، والمؤمن بوصف كونه مؤمنا لا يعتمد على حليف أو نصير ، وإنما يعتمد على اللّه تعالى وحده ، فإذا كان المنافقون قد خذلوا المؤمنين في ساعة العسرة فإن اللّه معهم وناصرهم ، ولن يخذلهم ما داموا آخذين بأوامره منتهين عن نواهيه ، ولن يتمكن منهم في هذه الحال أعداؤهم وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ( 20 ) [ البروج ] . والتوكل الحقيقي لا يستدعى ترك الأسباب ، فإنه لا توكل إلا بعد الأخذ بالأسباب ، إذ إن حقيقة التوكل الذي طالب اللّه تعالى به هو أنه يأخذ بالأسباب ويستعد ، ثم يترك الأمور للّه تعالى ، فإنه قد يعرض للإنسان ما ليس في حسبانه ، فعليه أن يترك تلك المنطقة الغيبية لعلام الغيوب ، والدليل على أن التوكل في القرآن والسنة يستدعى اتخاذ الأسباب ، أنه يجتمع مع الجهاد والمشاورة ، فاللّه